نور الدين عتر
210
علوم القرآن الكريم
على ذلك بل إنه يشمل أوجها أخرى يدرك الإعجاز فيها كل من يفقه معاني الكلام ، ولو لم يكن له في ساحة البيان جولات . وقد أطال الدارسون القدماء والمحدثون في بيان خصائص أسلوب القرآن الكريم ، ونلخص منها هذه الجوانب فيما يلي : الوجه الأول : خاصية تأليف القرآن الصوتي في شكله وجوهره : وهي خاصية بارزة عني بها بعض المتأخرين ، وصاغها نظرية في إعجاز القرآن الموسيقى ، وهو الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي رحمه اللّه « 1 » . أما خاصية تأليف القرآن الصوتي في شكله : فهي أول ما يسترعي سامع القرآن الكريم عن بعد بحيث يسمع فيه جملة الحركات والسكنات ، والغنّات والمدّات وهكذا . . . فإن السمع يجد نفسه إزاء لحن غريب عجيب لا يجده في كلام آخر ، هو لحن فرد اختص به القرآن لا يوجد في الموسيقى ولا في الشعر ، وذلك أنك تسمع القصيدة من الشعر فإذا هي تتحد فيها الأوزان بيتا بيتا وشطرا شطرا ، وتسمع القطعة من الموسيقى فإذا هي تتشابه أصداؤها وتذهب مذهبا متقاربا ، فلا يلبث سمعك أن يمجها ، وطبعك أن يملها إذا أعيدت وكرّرت عليك بتوقيع واحد بينما أنت من القرآن أبدا في لحن متنوع ومتجدد ، على أوضاع مختلفة يأخذ منها كل وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء ، فلا يعروك منه على كثرة ترداده ملالة ولا سأم . وأما جوهر تأليف القرآن الصوتي : فيكمن في نظم حروفه ورصفها وترتيب أوضاعها : هذا ينقر وذاك يصفر ، وثالث يهمس ، ورابع يجهر ، وآخر حرف استعلاء وغيره حرف شدة أو رخاوة ، وهكذا ، ترى الجمال اللغوي ماثلا أمامك في هذا التناغم الموسيقى المعجز ، الذي جعل منه القرآن قالبا لما حمله من معاني الرسالة وحكمها وأحكامها ، وعقائدها وقواعدها ، ومواعظها وزواجرها ، وما امتاز به أسلوبها في عرض هذه المعاني من سائر الخصائص المعجزة .
--> ( 1 ) في كتابه القيم « إعجاز القرآن » ونكتفي بالإشارة إلى نظريته هذه لضيق المقام .